ابن كثير

14

البداية والنهاية

لقدر خلا عنه ، وفي رواية : ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا عنه ، وإنه لا يجد عبد حلاوة الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . وكان علي يدخل المسجد كل ليلة فيصلي فيه ، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك الليلة وجمع أهله فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوز في وجهه فسكتوهن عنه فقال : ذروهن فإنهن نوائح ، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا قبل . فقال الناس : يا أمير المؤمنين ألا نقتل مرادا كلها ؟ فقال : لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره ، فإن مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح قصاص . وجعلت أم كلثوم بنت علي تقول : مالي ولصلاة الغداة ، قتل زوجي عمر أمير المؤمنين صلاة الغداة ، وقتل أبي أمير المؤمنين صلاة الغداة ، رضي الله عنها . وقيل لعلي : ألا تستخلف ؟ فقال : لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله ، فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق . وقد ثبت عنه بالتواتر أن خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته ، فقال : أيها الناس إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت . وعنه أنه قال وهو نازل من المنبر : ثم عثمان ثم عثمان . ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله ، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر أربعا ، وقيل أكثر من ذلك . ودفن علي بدار الخلافة بالكوفة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة ، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة ، وقيل بالكناسة ، وقيل دفن بالبرية . وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين : نقله الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية من الكوفة فدفنه بالمدينة بالبقيع إلى جانب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال عيسى بن دآب : بل لما تحملوا به حملوه في صندق على بعير ، فلما مروا به ببلاد طئ أضلوا ذلك البعير فأخذته طئ تحسب فيه مالا ، فلما وجدوا بالصندوق ميتا دفنوه في بلادهم فلا يعرف قبره إلى الآن ، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك بن عمران أن خالد بن عبد الله القسري - نائب بني أمية في زمان هشام - لما هدم دورا ليبنيها وجد قبرا فيه شيخ أبيض الرأس واللحية فإذا هو علي ، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له : أيها الأمير إن بني أمية لا يريدون منك هذا كله ، فلفه في قباطي ودفنه هناك . قالوا : فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها . رواه ابن عساكر . ثم إن الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن ، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه ، فقالوا لهم أولاد علي : دعونا نشتفي منه ، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر ، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك إلى آخرها ، وإن عينيه لتسيلان على خديه ، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعا شديدا ، فقيل له في ذلك فقال : إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا لا أذكر الله فيه . فقتل عند ذلك وحرق بالنار ، قبحه الله . قال محمد بن سعد : كان ابن ملجم رجلا أسمر حسن الوجه أبلج ، شعره مع شحمة أذنه ، في جبهته أثر السجود . قال العلماء : ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي فإنه كان صغيرا